شهد البحر الأبيض المتوسط حدثاً انتظره علماء الأحياء البحرية والمحافظون على البيئة لعقود لتوثيقه بشكل مباشر وقاطع. ولأول مرة في التاريخ الحديث، تمكن فريق من المتخصصين من لتسجيل فيديو لقرش أبيض بالغ إذ تحركت بسهولة تامة عبر أعماق هذا النظام البيئي المتضرر بشدة من النشاط البشري. لا يُعد هذا الاكتشاف متعة بصرية لعشاق الطبيعة فحسب، بل يُمثل أيضًا تقدمًا علميًا جوهريًا في فهم وجود هذه الحيوانات المفترسة الرئيسية وحالتها في المياه الأوروبية.
وقع اللقاء خلال رحلة استكشافية روتينية للحفاظ على البيئة في مضيق صقلية، وهو ممر حيوي يربط مناطق مختلفة من البحر الأبيض المتوسط بين سواحل إيطاليا وتونس. على الرغم من أنه حتى الآن كانت هناك شهادات مرئية ومشاهدات متفرقة على السطح لم يسبق لهذه الصور، التي التقطت من القوارب، أن التقطت هذا الحيوان في بيئته الطبيعية تحت الماء باستخدام كاميرا غوص، مما يفتح نافذة جديدة لدراسة سلوكه في البرية في منطقة تعتبر فيها الأنواع مهددة بالانقراض بشكل خطير.
لقاء عابر ذو عمق كبير
كان الفريق، المؤلف من غواصين تقنيين من منظمات Healthy Seas وGhost Diving وجمعية توثيق المواقع المغمورة (SDSS)، في منتصف عمله على تنظيف قاع البحر من معدات الصيد المفقودةعلى عمق حوالي 40 متراً، وبينما كان متطوعون يعملون بالقرب من حطام سفينة قديمة تُستخدم كشعاب مرجانية اصطناعية، رصد الغواص الألماني ديرك ريمرز صورة ظلية واضحة لقرش. ورغم المفاجأة الأولية واندفاع الأدرينالين، تمكن الفريق من الحفاظ على هدوئه والتقاط الصور دون إزعاج الحيوان، الذي بدا فضولياً لكنه لم ينزعج من وجود البشر.
تُعدّ هذه المواجهات نادرة للغاية نظراً للانخفاض الحاد في أعداد أسماك القرش الأبيض في البحر الأبيض المتوسط خلال القرن الماضي. وبالنسبة لأعضاء البعثة، الذين يدرسون أسماك القرش منذ سنوات، تُعتبر هذه المواجهات حدثاً نادراً. العمل على مشاريع انتشال حطام السفن وتنظيف قاع البحرإن مشاهدة مشهد بهذا الحجم تجربة لا تتكرر إلا مرة واحدة في العمر. وتؤكد اللقطات المصورة أنه على الرغم من الضغوط البيئية والصيد الجائر، فإن هذه الحيوانات المهيبة لا تزال تجوب المياه العميقة لجنوب أوروبا، مستخدمة حطام السفن كمناطق صيد وملاذات لما تحتويه من وفرة في الحياة البحرية.
مكافحة شباك الصيد المهجورة والحفاظ على البيئة
لم تكن المهمة الأصلية لهؤلاء الغواصين البحث عن الحيوانات المفترسة الكبيرة، بل استخراج ما يسمى بشباك الأشباح التي تعلق بشكل دائم في حطام السفن الغارقة. تصبح هذه الهياكل المصنوعة من النايلون فخاخ مميتة للسلاحف البحرية ضخمة الرأس والأسماك الكبيرة تنجذب هذه الكائنات إلى التنوع البيولوجي الغني حول حطام السفينة، فتتشابك في الشباك وتلقى حتفها في عذاب شديد. ويُبرز ظهور القرش الأبيض الكبير في هذا السياق أهمية إزالة النفايات البشرية لحماية أكثر الأنواع عرضةً للخطر في قمة السلسلة الغذائية.
أشارت فيرونيكا ميكوس، مديرة منظمة "بحار صحية"، إلى أن قيمة هذا الرصد تكمن في ندرة الحيوان والبيئة التي ظهر فيها. ويؤكد ظهور القرش خلال عملية تنظيف على أهمية... هناك حاجة ملحة لحماية هذه المناطق الساخنة للتنوع البيولوجي في مواجهة التهديدات التي يمكن تجنبها. لا تتسبب الشباك المهجورة في قتل الحياة البرية بشكل مباشر فحسب، بل تؤدي أيضًا إلى تدهور موائل الأنواع الرئيسية التي تضمن توازن النظام البيئي البحري في جميع أنحاء منطقة البحر الأبيض المتوسط.
آفاق جديدة للبحث العلمي
سيتم تحليل البيانات التي تم جمعها أثناء الغوص، والتي لا تشمل المواد السمعية والبصرية فحسب، بل تشمل أيضًا عينات الحمض النووي البيئي (eDNA)، بشكل شامل خلال الأشهر القادمة. تتيح هذه التقنية للباحثين لإنشاء خريطة أكثر دقة لتجمعات أسماك القرش دون الحاجة إلى التفاعل المباشر معها، وذلك ببساطة عن طريق تحليل البقايا الجينية الموجودة في الماء. وحتى الآن، فإن معظم المعرفة التي كان يمتلكها خبراء مثل كارلو كاتانو، من محطة أنطون دورن لعلم الحيوان، حول هذه أسماك القرش جاءت من عينات نافقة تم اصطيادها عرضيًا بواسطة قوارب الصيد.
يؤكد وجود عينات بالغة تقوم بدوريات نشطة في هذه المياه على ضرورة تطبيق تدابير حماية أكثر صرامة في جميع أنحاء الإقليم البحري للجماعة. تكنولوجيا الغوص المتقدمة ومهام تنظيف البيئة لقد تحقق هذا الإنجاز التاريخي، مما يدل على أن الأسرار لا تزال كامنة تحت السطح. إن حماية هذه النظم البيئية هي السبيل الوحيد لضمان ألا يصبح القرش الأبيض الكبير مجرد ذكرى في سجلات بحارنا، وأن يبقى وجوده مؤشراً على صحة سواحلنا.
