رسّخت المكسيك مكانتها مجدداً كإحدى أهمّ بؤر التنوّع البيولوجي في العالم. ولها في ذلك كلّ الحقّ، إذ اكتشف فريق من الباحثين وطلاب علم الأحياء أماكن وجود... ثلاثة أنواع جديدة من السلمندر في غابات السحب النائية في سييرا مازاتيكا، بولاية أواكساكا. هذا الاكتشاف ليس مجرد حكاية علمية، بل هو تذكير بمدى ما لا يزال يتعين علينا تعلمه عن البرمائيات التي تسكن المناطق التي يصعب الوصول إليها والتي تتميز برطوبة عالية.
انتشر الخبر كالنار في الهشيم بين الخبراء، إذ تُظهر هذه المخلوقات من جنس Pseudoeurycea خصائص فيزيائية جعلت من المشكوك فيه أنها شيء جديد تمامًا على العلم. بعد دراسة متأنية التحليل الجيني والجزيئي وقد تم التأكد، من خلال دراسة أجراها متخصصون من جامعة المكسيك الوطنية المستقلة (UNAM) وسيديما، من أن هذه الحيوانات لم تكن مسجلة في السجلات، مما يرفع عدد هذه الحيوانات في بلد الأزتك إلى مستويات مذهلة، ويعزز مكانة المنطقة كمحمية فريدة من نوعها على هذا الكوكب.
ملاذٌ مخبأٌ في ضباب أواكساكا
ركز العمل الميداني، الذي يُعدّ تحديًا نظرًا لتضاريس المنطقة الوعرة، على سيرو رابون، وهي منطقة تتميز بكثافة نباتية فائقة تُشبه مشهدًا من فيلم سينمائي. هناك، اندهش العلماء بالعثور على عينات ذات أشكال فريدة لا تُشبه أي شيء رُصد من قبل. وبفضل هذا الاكتشاف، بات من المعروف أن حالة أواكساكا هي المنطقة الأكثر ثراءً من هذه البرمائيات في جميع أنحاء المكسيك، ويبلغ مجموعها 48 نوعًا مختلفًا، والغالبية العظمى منها حصرية لتلك المنطقة.
مع هذه الإضافات الثلاث، أصبح لدى البلاد الآن 163 نوعًا من السلمندر، وهو ما يمثل ما لا يقل عن 20% من التنوع البيولوجي في العالم من بين هذه المجموعة من الحيوانات، يُعدّ هذا الأمر مذهلاً حقاً، إذ يُظهر أنه إذا اعتنينا بهذه النظم البيئية، فإن الطبيعة ستستمر في منحنا السعادة. مع ذلك، يحذر الخبراء من أن الأمر ليس كله أخباراً سارة، لأن هذه الكائنات شديدة الحساسية لأي تغييرات في بيئتها.

أسماء ذات معنى خاص جداً
أكثر ما يثير الدهشة في هذا الاكتشاف هو أن الأسماء لم تُختر عشوائيًا، بل تحمل دلالات عاطفية واجتماعية كبيرة. أراد الباحثون أن يُحدثوا فرقًا. تكريماً للشخصيات الرئيسية في مجال الحفاظ على البيئة والنشاط البيئي في المكسيك. على سبيل المثال، Pseudoeurycea euguii وقد سميت تخليداً لذكرى يوجي روي مارتينيز بيريز، وهو طالب بيولوجيا شاب فقد حياته في عام 2020 وكان شغوفاً بهذه المخلوقات.
من ناحية أخرى، نجد Pseudoeurycea natsii، والتي تعني في لغة المازاتيك "ملكة المطر"إنها لفتة رائعة تقديرًا للمجتمعات المحلية التي تعمل بلا كلل للدفاع عن أراضيها المشتركة وحماية الغابة من الاستغلال. وأخيرًا، Pseudoeurycea parraolae إنه تكريم للدكتورة غابرييلا بارا أوليا، التي تعتبر مسيرتها المهنية في دراسة البرمائيات عملاً حقيقياً نابعاً من الحب، وقد شكلت أساساً للعديد من الباحثين الآخرين حول العالم.
تحديات البقاء والسياحة المسؤولة
إن المخاطر التي تواجهها هذه الحيوانات جسيمة حقًا. وقد أوضحت دراسة نُشرت مؤخرًا أن السلمندر من بين أكثر البرمائيات عرضة للخطر. ومن بين هذه المخاطر... انتشار الفطريات القاتلةتُعرّض إزالة الغابات، وبالطبع تغير المناخ، هذه الأنواع الجديدة للخطر. لذا، إذا كان أي شخص يخطط لزيارة المنطقة، فعليه توخي الحذر الشديد والالتزام التام بالقواعد لتجنب إزعاج الحياة البرية المحلية.
إذا كنتَ فضولياً وترغب في رؤية السلمندرات في بيئتها الطبيعية، فإن المكسيك تضم أماكن رائعة مثل محمية إل تريونفو للمحيط الحيوي في تشياباس أو منتزه إيزتا بوبو الوطني. ومع ذلك، ينصح الخبراء دائماً بالاستعانة بمرشدين محليين. لا تلمس تحت أي ظرف من الظروف بالنسبة للحيوانات. من التفاصيل المهمة التي نغفل عنها أحيانًا تنظيف أحذيتنا جيدًا قبل وبعد المشي في الغابة لتجنب نقل الأمراض دون علمنا من مكان إلى آخر.
يُعد هذا الاكتشاف في سييرا مازاتيكا علامة فارقة تُبرز الحاجة إلى مواصلة الاستثمار في البحث العلمي والحفظ من المساحات الطبيعية. إن اكتشافنا لثلاثة أنواع جديدة في القرن الحادي والعشرين يدل على أن هناك العديد من الأسرار التي لا تزال مخفية تحت ضباب الغابات المكسيكية، وأن حماية هذه النظم البيئية أمر حيوي ليس فقط للمكسيك، بل للحفاظ على التوازن البيولوجي لكوكبنا بأكمله.
