هل فكرت يومًا أن أعماق محيطاتنا قد تحوي مخلوقات تبدو وكأنها خرجت من فيلم خيال علمي؟ حسنًا، اتضح أن هذا صحيح، ومن أكثرها إثارة للدهشة ما يُسمى بـ أخطبوط غير مرئيحيوان يتحدى منطقنا حول ما يجب أن يكون عليه رأسيات الأرجل للبقاء على قيد الحياة في الهاوية.
في الآونة الأخيرة، اندهش المجتمع العلمي من اكتشاف أنواع هي، في الأساس، شفاف كالزجاجتسكن هذه الكائنات مناطق يكون فيها ضوء الشمس حلماً بعيد المنال، وتتكيف مع ظروف الضغط القاسية والظلام الدامس ببنية جسدية تترك الكثير مما هو مرغوب فيه في أي كتاب مدرسي تقليدي لعلم الأحياء.
الأخطبوط الزجاجي الغامض
كان أحد أبرز الإنجازات التي حظيت باهتمام واسع هو التسجيل الذي أجراه معهد شميدت للمحيطات. فقد تمكنوا من التقاط صور لعينة تُعرف باسم الأخطبوط الزجاجي، وهو كائن ذو جسم هلامي وشبه شفاف التي تسكن المحيط الهادئ. الأمر الأكثر غرابة هو أنه، لكونها غير مرئية عمليًا، لا يمكن تمييز سوى عينيها وعصبها البصري، مما يعني تكيف تطوري وحشي أن تمر دون أن يلاحظها أحد على عمق يتراوح بين 200 و 1.000 متر.
هذا الحيوان غريبٌ لدرجة أن عينيه مستطيلتان، وهي سمة نادرة للغاية تميزه عن معظم الرخويات الأخرى. لم يتم تصويره لأول مرة إلا في عام 2021، مما أظهر أن قاع البحر... صندوق الأسرار أننا بدأنا للتو في الافتتاح.
لغز ميكروإليدون غالاباجينسيس
لكن هذا ليس كل شيء. فعلى عمق حوالي 1.773 مترًا تحت جزيرة داروين في جزر غالاباغوس، اكتشف فريق بقيادة جانيت ر. فويت من متحف فيلد للتاريخ الطبيعي نوعًا لم يظهر في أي سجل سابق: ميكروليدون غالاباجينسيسهذا الأخطبوط صغير الحجم، وله أذرع قصيرة وعدد قليل جداً من المحاجم، مما يعطي انطباعاً بأنه يرقة وليس أخطبوطاً بالغاً.
ما حيّر الخبراء حقًا هو جلدها. فبينما تستخدم معظم رأسيات الأرجل في أعماق البحار خلايا صبغية للتمويه، فإن هذه العينة تمتلك... السطح الخارجي يكاد يخلو من الصبغةلكن عند تحليلها باستخدام التصوير المقطعي المحوسب (microCT)، اكتشفوا أن عضلاتها الداخلية داكنة اللون. أي أنها تحتوي على تظليل معكوسشفاف من الخارج وداكن من الداخل، وهو أمر يكسر تمامًا نمط التمويه السلبي المعتاد في الطبيعة.
مفتاح التباين الزمني والتطور المبكر
ولتفسير هذا المظهر الشبح، يتحدث العلماء عن التباين الزمنييحدث هذا بشكل أساسي عندما يتغير معدل نمو الجنين، مما يؤدي إلى وصول الحيوان إلى مرحلة البلوغ مع احتفاظه بصفات لا تُرى عادةً إلا في مراحل الصغر. في هذه الحالة، نتحدث عن استدامة المرحلة اليرقية، حيث يحتفظ الأخطبوط بشكل اليرقة على الرغم من كونه فرداً بالغاً وظيفياً.
تُفسر هذه الخاصية البيولوجية سبب توقف دورة نموها على ما يبدو. ولهذا السبب، يُظهر نوع Microeledone galapagensis غيابات تشريحية لافتة للنظر:
- يفتقر تمامًا كيس الحبرالعضو الذي تستخدمه الأخطبوطات الأخرى لإنشاء سحب سوداء دفاعية.
- لا يمتلك رتج المحصول.
لقد كانت هذه النتائج صادمة لدرجة أنها أجبرت علماء التصنيف على أعد صياغة التعريف من عائلة Megaleledonidae بأكملها، حيث كان يُعتقد أن هذه الهياكل إلزامية لجميع أفرادها.
ما الذي لا يزال يتعين اكتشافه؟
على الرغم من هذه التطورات، لا تزال العديد من الأسئلة بلا إجابة. ولأن العينات جُمعت من منطقة واحدة، فإننا لا نعرف ما إذا كان هذا النوع يقتصر على جزر غالاباغوس أم أن هناك أنواعًا أخرى. أخطبوطات شفافة ينتشر هذا النوع في جميع أنحاء شرق المحيط الهادئ. وتتمثل الخطوة التالية في إجراء تحليلات جزيئية لتحديد موقعه بدقة ضمن شجرة عائلة رأسيات الأرجل.
لا يُعرف شيء عن طعامهم، أو كيفية تكاثرهم، أو سلوكهم في حياتهم اليومية. وهذا يُذكّرنا بأن تصنيف الأعماق إنه طريق طويل؛ إن تسمية نوع ما ليست سوى الخطوة الأولى في عملية يمكن أن تستمر لعقود، خاصة في بيئات غير مستكشفة مثل قاع المحيط الاستوائي.
إن وجود هذه الكائنات، بجلدها الشفاف وتكوينها التشريحي المقلوب، يؤكد أن الطبيعة دائماً ما تخبئ لنا مفاجأة. وحقيقة أن مثل هذه الأنواع المذهلة تبقى مختبئة على أعماق آلاف الأمتار تدل على ذلك. المحيط هو الحدود الأخيرة من كوكبنا، وما زال أمامنا الكثير من المفاجآت لاكتشافها في ظلام دامس.