استكشاف قاع المحيط أشبه ما يكون بالسفر إلى الفضاء، مغامرة جريئة حقاً تُذكّرنا بمدى ضآلة معرفتنا بكوكبنا. هذه المرة، تتجه الأنظار العلمية إلى جنوب غرب المحيط الأطلسي، حيث يستعد فريق من الخبراء لمغامرة تعد بتغيير فهمنا للنظم البيئية في أعماق البحار ، وكشف ما يكمن في أعماق أكثر الأخاديد البحرية عزلة.
جاء هذا الخبر من المجلس الوطني للبحوث العلمية والتقنية (CONICET)، الذي أكد أنه سيطلق بعثة طموحة للغاية تسمى المنحدر القاري الخامس. هذه المهمة ليست بالأمر الهين، حيث يعتزم الباحثون النزول إلى أكثر من 4.000 متر لاستكشاف مناطق لا تزال لغزًا حقيقيًا للبشرية، وذلك على خطى النجاحات التي تحققت في السنوات السابقة.
عرض تكنولوجي مذهل في واديي أميغينو وألميرانتي براون
يقضي الباحثون حوالي 23 يومًا على متن سفينة فالكور، وهي سفينة تتميز بتقنيات متطورة تُثير إعجاب أي عالم محيطات. ورغم أن موعد المغادرة المبدئي هو أبريل، إلا أنه من الممكن تقديمه إلى فبراير إذا سارت الأمور على ما يرام، متجهين نحو واديي أميغينو وألميرانتي براون، الواقعين قبالة سواحل تشوبوت. هدفهم الرئيسي هو مراقبة الكائنات الحية التي تعيش هناك وكيفية تمكنها من البقاء في مثل هذه البيئة القاسية.
لرؤية أي شيء في هذا الظلام الدامس، سيستخدمون روبوتًا يُدعى "روبوت سوباستيان" (ROV SuBastian). يتميز هذا الجهاز بقدرته على تسجيل صور فائقة الوضوح وجمع العينات بدقة جراحية، وهو أمر بالغ الأهمية عند العمل في بيئة شديدة الضغط لدرجة قد تسحقك في لحظة. إنها فرصة ذهبية للمتخصصين التسعة عشر، معظمهم من المجلس الوطني للبحوث العلمية والتقنية (CONICET) بالإضافة إلى باحثين من جامعات وطنية مختلفة، لإظهار كفاءاتهم في هذا النوع من العمل متعدد التخصصات.
تم رفع سقف التوقعات عالياً جداً بعد النجاحات السابقة.
ليست هذه المرة الأولى التي يخوضون فيها غمار مثل هذه المواقف المعقدة، فقد تركت مهمتهم السابقة، "المنحدر القاري الرابع"، الجميع في حيرة من أمرهم. حينها، ركزوا على وادي مار ديل بلاتا واكتشفوا أكثر من 40 نوعًا جديدًا على العلم، بما في ذلك شعاب مرجانية في المياه الباردة لم يتوقع أحد رؤيتها هناك. وقد أثارت هذه الاكتشافات ضجة إعلامية كبيرة، حتى أنها انتشرت على نطاق واسع بفضل اكتشاف مخلوقات غريبة في الأرجنتين، ما لفت انتباه عامة الناس.
إلى جانب البحث عن أنواع جديدة، يركز فريق مجموعة دراسات أعماق البحار الأرجنتينية (GEMPA) على قضايا أكثر خطورة، مثل وجود الجزيئات البلاستيكية الدقيقة في أعماق البحار وتأثير تغير المناخ على هذه المناطق النائية. ويهدف الفريق إلى مقارنة كيفية تغير الحياة البحرية من الشمال إلى الجنوب على طول المنحدر القاري، بهدف رسم خريطة أكثر شمولاً للتنوع البيولوجي الخفي تحت الماء وكيفية ارتباطه ببقية المحيط.
العلوم للجميع مع البث المباشر
من أروع ما يميز هذا المشروع هو أنهم لا يحتفظون باكتشافاتهم لأنفسهم في مختبر مغلق، بل سيبثون عمليات الغوص مباشرةً ليتمكن الجميع، من طفل في المدرسة إلى شخص فضولي في منزله، من مشاهدة ما يكتشفه الروبوت في أعماق المحيط لحظة بلحظة. إنها طريقة رائعة لتقريب العلم من الناس وإثارة شغفنا جميعًا باكتشاف أسرار المحيط التي لا تزال تخفيها.
يشمل هذا الالتزام بالعلم المفتوح إتاحة البيانات للمجتمع الدولي، مما يُسهّل اتخاذ تدابير مستدامة للحفاظ على البيئة استنادًا إلى معلومات حقيقية وموثقة. في نهاية المطاف، يتعلق الأمر بفهم أن ما يحدث على أعماق آلاف الأمتار يؤثر أيضًا على عمليات عالمية كدورة الكربون وتنظيم المناخ، ولذا فمن الأهمية بمكان استمرار هذه الرحلات الاستكشافية بدعم من المؤسسات التكنولوجية الرائدة.
يمثل هذا العودة إلى الأعماق قفزة نوعية في فهم أكثر النظم البيئية البحرية هشاشةً وغموضًا على كوكبنا. فبفضل تقنية روبوت سوباستيان والخبرة المكتسبة من الرحلات الاستكشافية السابقة، يأمل العلماء ليس فقط في اكتشاف أشكال حياة جديدة، بل أيضًا في رفع مستوى الوعي بصحة محيطاتنا . التوقعات عالية، وهذا في محله، لأن كل متر ينزله الفريق يقربنا خطوةً نحو فهم الأسرار التي يخفيها المحيط الأطلسي تحت آلاف الأطنان من المياه.
