
مع حلول فصل الصيف، تستعد سواحل جنوب شرق إسبانيا لواحدة من أروع الظواهر الطبيعية: عودة السلاحف البحرية لوضع بيضها على شواطئنا. وقد دفعت هذه الظاهرة، التي تزايدت في السنوات الأخيرة نتيجة عوامل مثل تغير المناخ وتأثير السلاحف البحرية ، السلطات والمنظمات المختلفة إلى تكثيف حملات الرصد والتوعية في مناطق التعشيش لضمان نجاح هذه العملية.
يُشكّل عمل الخبراء والتزام المواطنين المُحبّين للبحر ركائز أساسية لهذه الاستراتيجية في مجال الحفاظ على البيئة البحرية. فالأمر لا يقتصر على حماية حيوان مميز فحسب، بل يتعداه إلى ضمان بقاء شواطئنا موائل آمنة للتنوع البيولوجي البحري ، وهو ما يُفيد النظام البيئي ويُفيدنا نحن الذين نسعى إلى بيئة طبيعية محفوظة. ولتحقيق هذه الغاية، تم إطلاق برامج مُحددة تجمع بين تدريب المتطوعين وأنشطة مفتوحة للجمهور.
المبادرات والتدريب في برنامج أراضي السلاحف
من بين الأنشطة المخطط لها لهذا الشهر، تبرز ورش العمل التي تُنظم في مواقع استراتيجية مثل كابو دي بالوس وشواطئ كارتاخينا. وقد اكتسب برنامج "محمية السلاحف" أهمية خاصة، حيث يعمل كشبكة إنذار مبكر وتدريب. خلال هذه الورش، يتعلم المشاركون كيفية تحديد آثار السلاحف في الرمال، وهي مهارة أساسية لتحديد مواقع الأعشاش المحتملة قبل أن تتضرر عن طريق الخطأ من قِبل السباحين أو فرق التنظيف.

إلى جانب المحاضرات على شاطئ البحر، يفتح مركز "إل فالي" لإنقاذ الحياة البرية أبوابه ليُعرّف الزوار على الحياة اليومية في مجال إعادة تأهيل وحماية السلاحف البحرية . إنها فرصة ذهبية للتعرف عن كثب على حالات مثل حالة الأنثى البالغة التي يزيد وزنها عن أربعين كيلوغرامًا والتي تم إنقاذها مؤخرًا. تُمكّن هذه الجولات المصحوبة بمرشدين الجمهور من التعاطف مع محنة هذا النوع من السلاحف وفهم أهمية عدم التدخل في دوراتها الطبيعية.
بروتوكول العمل: ما يجب فعله في حالة المشاهدة
من أهم النقاط التي يؤكد عليها الخبراء هي كيفية التصرف عند مصادفة سلحفاة بحرية ضخمة الرأس (Caretta caretta) أو العثور على آثارها. القاعدة الأساسية هي الحذر: من الضروري الحفاظ على مسافة آمنة وتجنب لمس السلحفاة أو التعامل مع البيض إذا كان العش مكشوفًا. كما يجب عدم استخدام المصابيح اليدوية أو فلاش الكاميرا مطلقًا، لأن الضوء الاصطناعي يُربك السلاحف تمامًا، خاصةً عندما تحاول العودة إلى البحر.

إذا وجدت نفسك في هذا الموقف أثناء نزهة ليلية أو فجرية، فإن أفضل ما يمكنك فعله هو الاتصال فورًا برقم الطوارئ 112. عند تلقي المكالمة، تُفعّل فرق متخصصة بروتوكولًا يتضمن تطويق المنطقة لمنع أي شخص من إزعاج العش. يُعد تعاون السكان المحليين والسياح أهم عنصر في هذه العملية، إذ غالبًا ما يكون إبلاغهم الفوري هو العامل الحاسم في ضمان فقس الفراخ بسلام بعد أسابيع.
فعاليات إطلاق العينات في ألميريا وإيبيزا
لا يقتصر الأمر على اليقظة فحسب، بل هناك أيضًا لحظات للاحتفاء بالنجاحات. ففي مدن مثل موخاكار، تم تنظيم فعاليات لإطلاق عشرات السلاحف التي وُلدت في العام الماضي. وقد أمضت هذه الحيوانات شهورها الأولى في مراكز متخصصة لزيادة فرص بقائها على قيد الحياة في مواجهة الحيوانات المفترسة الطبيعية. ورغم أن عمليات الإطلاق هذه عادةً ما تجذب حشودًا غفيرة، إلا أنها تُجرى تحت إشراف دقيق لضمان عدم تعرض السلاحف لأي إجهاد قبل مواجهة رحابة المحيط.
من جهة أخرى، بادرت المؤسسات التعليمية أيضاً إلى بذل المزيد من الجهود، كما هو الحال في إيبيزا، حيث طورت مجموعات طلابية مشاريع لرفع مستوى الوعي بين الشباب حول التلوث البلاستيكي في البحر . وتُعدّ هذه المبادرات المدرسية أساسية، إذ إنّ نسبة كبيرة من حالات جنوح السلاحف تعود إلى ابتلاعها للنفايات العائمة في مياهنا. إنّ دمج هذا الاحترام للبيئة البحرية في المناهج الدراسية يضمن للأجيال القادمة وعياً أعمق بأهمية الحفاظ على بيئتهم.
إن الجهود المشتركة للمتطوعين الذين يقومون بدوريات على الشواطئ ليلًا بعد ليل، والدعم المؤسسي الذي يمول مراكز إعادة التأهيل هذه، يمنح السلحفاة البحرية ضخمة الرأس (Caretta caretta) فرصة حقيقية للبقاء على سواحلنا. إن احترام تعليمات الفنيين والالتزام بمراقبة هادئة ومسؤولة هو، في نهاية المطاف، أفضل وسيلة لدينا لحماية التراث الطبيعي الذي نتشاركه في البحر الأبيض المتوسط.
