شهد ساحل دينيا مرة أخرى حدثاً طبيعياً هاماً للحياة البرية في البحر الأبيض المتوسط في الساعات الأولى من صباح يوم الاثنين 22 يونيو. فقد اختارت ديانا، وهي سلحفاة بحرية ضخمة الرأس معروفة لدى الباحثين، ساحل دينيا مرة أخرى لوضع أول موقع تعشيش لها في الموسم في منطقة بلنسية بأكملها، مما يعزز مكانة المنطقة كموقع استراتيجي لنوعها.
جاء هذا الاكتشاف صدفةً عندما رصد هيكتور فيلار، مدير مرافق مارينا إل بورتيت، آثار أقدام الحيوان في الرمال، فأطلق الإنذار على الفور. وبفضل هذا التحرك السريع، تم تفعيل بروتوكول شبكة الإنقاذ، مما سمح لفريق متعدد التخصصات بالتوجه إلى المنطقة لحماية العش وضمان صلاحية البيض الذي وضعته هذه السلحفاة البحرية ضخمة الرأس (كاريتا كاريتا).
عملية منسقة لتأمين نسل ديانا

عقب التقرير الأولي، أجرى متخصصون من جامعة فالنسيا وجامعة فالنسيا التقنية فحصًا دقيقًا للموقع. وبعد حصر 106 بيضات، خلص الخبراء إلى أن الموقع الذي اختارته ديانا في مارينيتا كاسيانا ينطوي على مخاطر بسبب قربه من الشاطئ. ولهذا السبب، تقرر نقل معظم العش إلى منطقة أقل عرضة للفيضانات الناجمة عن الأمواج.
نُقلت 96 بيضة بعناية إلى منطقة ليه ألباران، وهي امتداد شاطئي يوفر بيئةً طبيعيةً أفضل للتفقيس وحمايةً أكبر. يُعدّ هذا النقل إجراءً روتينياً عندما تُعتبر الظروف في الموقع الأصلي مُعرّضةً لخطر على صغار السلاحف. وفي الوقت نفسه، تتولى منظمة زالوك تنسيق عمليات الرصد والحماية لهذا الموقع الجديد لمنع أي اضطرابات خارجية.
لزيادة فرص النجاح، نُقلت عينة صغيرة من البيض، تحديدًا عشر بيضات، إلى مرافق مركز أبحاث البحار (ARCA del Mar) التابع لمعهد علوم المحيطات في فالنسيا. هناك، ستخضع البيضات لظروف حضانة صارمة ومُحكمة ، وهي استراتيجية تضمن، بغض النظر عما يحدث في بيئتها الطبيعية، حصول جزء من الصغار على أفضل فرصة ممكنة للبقاء على قيد الحياة قبل إطلاقها مرة أخرى في النظام البيئي البحري.
تكنولوجيا الأقمار الصناعية لدراسة الأنواع

كان من أبرز نتائج هذه الدراسة زرع الباحث إدواردو بيلدا جهاز إرسال عبر الأقمار الصناعية على صدفة ديانا. سيتيح هذا الجهاز للمجتمع العلمي مراقبة مساراتها البحرية عن كثب خلال الأشهر القادمة. ومن المثير للاهتمام بشكل خاص لعلماء الأحياء تتبع تحركات هذه العينة تحديدًا، إذ توفر زياراتها المتكررة لشواطئ دينيا في السنوات الأخيرة بيانات قيّمة حول السلوك التكاثري لهذا النوع في غرب البحر الأبيض المتوسط.
ليست هذه المرة الأولى التي تزور فيها هذه السلحفاة، التي سُميت تيمناً بالإلهة التي سُميت المدينة باسمها، ساحل أليكانتي. في الواقع، من المعروف أن ديانا تضع بيضها عدة مرات في المواسم السابقة، مما يشير إلى أن الساحل الإسباني يكتسب أهمية متزايدة كمنطقة تعشيش، ربما بسبب ارتفاع درجات حرارة المياه. وقد كان التعاون بين حكومة منطقة فالنسيا ومجلس مدينة دينيا والجامعات عاملاً أساسياً في تطوير جهود الرصد هذه.

لا يقتصر البحث التقني على دراسة العينات البالغة فحسب، بل يشمل أيضًا تحليل الموائل. وقد أصبحت منطقة دينيا نموذجًا يُحتذى به في مجال الحفاظ على البيئة البحرية، ويعتمد نجاح هذه الأعشاش بشكل كبير على الحفاظ على مساحات هادئة خالية من التلوث الضوئي . تُمكّننا هذه الإجراءات العلمية من فهم سبب اختيار بعض العينات تكرار دورة تكاثرها في المواقع الجغرافية نفسها عامًا بعد عام.
أهمية تعاون المواطنين

استغلت المؤسسات المعنية هذه المناسبة لإطلاق حملة توعية لجميع رواد الشواطئ ومستخدميها. خلال فصل الصيف، قد تخرج سلاحف أخرى إلى الشاطئ لوضع بيضها، لذا فإن معرفة كيفية التصرف أمر بالغ الأهمية. يوصي الخبراء بالاتصال فورًا برقم 112 في حال رصد سلحفاة أو العثور على آثار مشابهة لآثار إطار سيارة عريض على الرمال.
من الأهمية بمكان الحفاظ على مسافة آمنة وتجنب استخدام المصابيح اليدوية أو الكاميرات، لأن الضوء قد يُربك الحيوان ويجعله يتخلى عن عملية التعشيش دون وضع بيضه. وتُعدّ مشاركة المجتمع، في كثير من الحالات، الحلقة الأولى في سلسلة بقاء السلاحف التي تتوج بعد أشهر بفقس صغار السلاحف ورحلتها إلى البحر.
يُعدّ التزام الحكومة المحلية وجهود متطوعي منظمة "زالوك" غير الحكومية أساسيين لنجاح هذه العمليات على الشواطئ ذات الحركة السياحية الكثيفة. يُسهم إعلام السكان المحليين والزوار بوجود هذه الأعشاش في خلق بيئة تحترم التنوع البيولوجي المحيط بنا. كل جهد يُبذل يُساعد في حماية هذا النوع المُصنّف ضمن الأنواع المُعرّضة للخطر والذي يُكافح من أجل البقاء في مياهنا.

تُعدّ قصة ديانا في دينيا مثالاً على كيفية تضافر جهود العلم والمواطنين لحماية التراث الطبيعي. وستُمكّن عملية الرصد التي بدأت الآن، بفضل جهاز الإرسال عبر الأقمار الصناعية ومراقبة العش في ليس ألباران، الخبراء من متابعة هذا الركن من البحر الأبيض المتوسط طوال فصل الصيف. والهدف الأسمى هو أن يفقس أكبر عدد ممكن من الصغار ويصلوا إلى الماء في غضون أسابيع قليلة، ليُكملوا دورة حياة هذا النوع المميز.

تؤكد هذه الزيارة المتكررة للسلاحف البحرية ضخمة الرأس على أن ساحل فالنسيا أصبح ملاذاً أساسياً للحياة البحرية، مما يستدعي بذل جهود متواصلة في إدارة شواطئنا. وبفضل العمل التعاوني بين علماء الأحياء والمؤسسات، بالإضافة إلى بلاغات الجمهور، تم إنقاذ عش كبير، مما يمثل أملاً متجدداً في الحفاظ على السلاحف البحرية ضخمة الرأس (Caretta caretta) على سواحلنا.

