
أصبحت حماية التوازن البيئي لمحيطاتنا مهمة بالغة الصعوبة، لا سيما في ظل المبالغ الطائلة التي تُجنى سنوياً من التجارة غير المشروعة بالأنواع المحمية. وفي نقاط الدخول الرئيسية إلى أوروبا، مثل مطاري مدريد وبرشلونة، يواجه موظفو الجمارك تحدياً يتمثل في تحديد مواقع البضائع البيولوجية الدقيقة التي غالباً ما تُنقل مخبأة بين الملابس أو الألعاب أو الطعام دون إثارة أي شكوك.
للمساهمة في هذه المعركة، صمّم فريق بحثي في جامعة ماكواري أداة ذكاء اصطناعي واعدة تُحدث نقلة نوعية. وباستخدام تقنية متطورة، درّب الفريق آلةً على تمييز بقايا الحيوانات البحرية ، مع التركيز بشكل خاص على الأنواع التي تتعرض للاستغلال المفرط، مثل فرس البحر وزعانف أسماك القرش وخيار البحر، والتي غالباً ما ينتهي بها المطاف في الأسواق السوداء لاستخدامها في الطب التقليدي أو في المأكولات الغريبة.
كيف تعمل هذه العين الرقمية في المطارات؟
لا يكمن سر هذا الإنجاز في كاميرا بسيطة، بل في الاستفادة من أجهزة التصوير المقطعي المحوسب (CT) الموجودة في العديد من الأجهزة الحديثة. تُنتج هذه الأجهزة صورًا ثلاثية الأبعاد مفصلة، ويقوم النظام بتحليل محتويات كل كتلة طبقةً تلو الأخرى. وبهذه الطريقة، يستطيع الذكاء الاصطناعي اكتشاف البنية العظمية المميزة لفرس البحر المجفف حتى لو كان داخل علبة معدنية أو ملفوفًا بعدة طبقات من القماش.
خلال مرحلة التدريب، أخضع العلماء النظام لمئات الاختبارات الواقعية، باستخدام عينات تم ضبطها في عمليات سابقة. وقد تعلم البرنامج تجاهل التشويش البصري والتركيز على السمات التشريحية الفريدة لهذه الأنواع. والأكثر إثارة للدهشة، أن هذه التقنية قادرة على تحديد الأشياء حتى عندما يحاول المهربون خداع السلطات بتقنيات إخفاء متطورة، مما يدل على أن الذكاء الاصطناعي يتمتع بقدرة تمييزية تفوق قدرة البشر على رصد هذه التفاصيل.
دقة تقترب من الكمال في الأنواع الرئيسية
تُعدّ بيانات الدراسة واعدةً للغاية بالنسبة للمختصين في مجال الحفاظ على البيئة. ففي حالة فرس البحر تحديدًا، بلغت نسبة نجاح التعرّف عليه 96% ، وهي نسبة عالية جدًا من شأنها أن تُسهّل العمل على الحدود بشكل كبير. أما زعانف أسماك القرش، فقد تمّ رصدها بنسبة نجاح 95%، بينما حقّق خيار البحر، الذي يتميّز بأشكال أكثر تعقيدًا يتطلّب من الخوارزمية معالجتها، دقةً إجماليةً مُرضيةً بلغت 86%.
لكن الأمر ليس بهذه البساطة، فلا يكفي مجرد الضغط على زر ونسيانه. فالنظام لديه هامش خطأ ضئيل، وقد يُصدر إنذارات خاطئة، ما يعني أنه قد يُشير أحيانًا إلى حقيبة مشبوهة لا تحتوي في الواقع على أي شيء غير قانوني. ولهذا السبب، يُصرّ الخبراء على أن هذه التقنية أداة بالغة الأهمية، ولكن دائمًا تحت إشراف مفتشي الجمارك، الذين يملكون القرار النهائي في فتح الأمتعة والتأكد من أي مخالفات.
التحديات التي تواجه تطبيقها في الأراضي الأوروبية
رغم النتائج المبهرة، فإن تعميم هذه التقنية في جميع أنحاء أوروبا لن يحدث بين عشية وضحاها. يكمن العائق الرئيسي في حاجتها إلى ماسحات ضوئية ثلاثية الأبعاد متطورة ، وهي معدات باهظة الثمن وغير متوفرة حاليًا في جميع المعابر الحدودية في القارة. لا تزال العديد من المطارات تعمل بأنظمة ثنائية الأبعاد تقليدية، حيث يواجه الذكاء الاصطناعي صعوبة في تحديد حجم الحيوانات المهربة.
علاوة على ذلك، يُعدّ الاتجار غير المشروع بالحياة البرية نشاطًا متطورًا باستمرار، حيث يسعى المجرمون دائمًا إلى إيجاد طرق جديدة للتحايل على القانون. ولذلك، تؤكد الدكتورة فانيسا بيروتا، التي تقود المشروع، على أن اليقظة البشرية والكلاب البوليسية لا تزال ضرورية. ويساهم الذكاء الاصطناعي الآن في تعزيز هذا الجهد، موفرًا طبقة إضافية من الحماية لم تكن موجودة من قبل، مما يمنح الأنواع المهددة بالانقراض، مثل فرس البحر، فرصة أفضل للبقاء على قيد الحياة في مواجهة الاستغلال غير المشروع.
يمثل استخدام هذه الشبكات العصبية قفزة نوعية في الحد من نشاط يهدد التنوع البيولوجي للنظم البيئية الهشة، مثل سواحل البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي. وسيؤدي تطبيق هذه الحلول التقنية في الجمارك إلى توجيه ضربة قوية لشبكات التهريب ، مما يحسن ليس فقط من قدرتها على الكشف، بل أيضاً من قدرة السلطات على تقديم أدلة دامغة في الإجراءات القانونية. وباتت حماية البيئة البحرية تمتلك حليفاً رقمياً قادراً على رؤية ما لا نراه، مما يضمن بقاء الحياة البرية في بيئتها الطبيعية، لا داخل حقائب السفر.