سباق جديد مع الزمن لإنقاذ الحوت الأحدب العالق في بحر البلطيق

  • ظل الحوت الأحدب "تيمي" عالقاً على الساحل الألماني لبحر البلطيق لما يقرب من ثلاثة أسابيع، بعيداً عن موطنه الطبيعي في المحيط الأطلسي.
  • اعتبر الخبراء والسلطات أن عملية إنقاذها غير ممكنة، لكن مبادرة خاصة ممولة من قبل رجلَي أعمال أعادت إحياء عملية إنقاذ معقدة.
  • تتضمن الخطة رفع الحوت باستخدام الوسائد الهوائية، ووضعه على قماش مشمع بين عوامات، ونقله إلى بحر الشمال.
  • أثارت القضية نقاشاً اجتماعياً وإعلامياً حاداً في ألمانيا حول رعاية الحيوان ومدى التدخل البشري المطلوب.

حوت أحدب يجنح في بحر البلطيق

منذ عدة أسابيع، وجود حوت أحدب يجنح في بحر البلطيق أثار هذا الأمر قلقاً بالغاً في معظم أنحاء أوروبا. الحيوان، الذي أطلقت عليه وسائل الإعلام والجمهور لقب "تيمي"، عالق في المياه الضحلة قبالة جزيرة بويل، في ولاية مكلنبورغ-فوربومرن، وقد أصبح ضعيفاً بشكل متزايد وبعيداً عن موطنه الطبيعي في المحيط الأطلسي.

أصبح تيمي رمز للنقاش حول إنقاذ الحيتان الكبيرة في المياه الأوروبية: بينما يحذر العلماء والبيئيون من المعاناة وفرص النجاح الضئيلة، أطلق فريق بقيادة رجلَي أعمال ألمانيين عملية خاصة غير مسبوقة لمحاولة إعادة حوت الزعنفة إلى بحر الشمال.

زائر غير متوقع في بحر البلطيق

بدأت محنة الحوت في أوائل شهر مارس، عندما كان شوهد لأول مرة بالقرب من مدينة لوبيكفي ولاية شليسفيغ هولشتاين الفيدرالية. بعيدًا عن مساره المعتاد وفي بحر منخفض الملوحة، وهو أمر غير ملائم على الإطلاق لنوعه، بدا الحوت بالفعل مرتبكًا وبعلامات ضعف.

وبعد بضعة أيام، تُرك الحيوان محاصرون على ضفة رملية في خليج لوبيكوصلت فرق الإنقاذ الألمانية برفقة قوارب الشرطة والحفارات والقوارب المطاطية، وتم حتى تجريف قناة لفتح طريق خروج إلى المياه العميقة.

يبدو أن تلك المحاولة الأولى قد أتت ثمارها: لقد نجح الحوت سيتحررون بحلول نهاية شهر مارسلكن بدلاً من التوجه نحو بحر الشمال، واصلت السفينة تحركها على طول ساحل بحر البلطيق الألماني، حيث جنحت مراراً وتكراراً، وفي كل مرة كانت تقترب أكثر من جزيرة فيسمار وجزيرة بويل.

بحسب خبراء استشارتهم وكالات دولية، من غير الواضح لماذا غامر تيمي بالدخول إلى بحر البلطيقيتم النظر في فرضيات مثل فقدان التوجه أثناء الهجرة أو اتباع أسراب الرنجة، لكن الجميع يتفق على أن فرص سفر الحيوان مئات الكيلومترات اللازمة للوصول إلى بحر الشمال بمفرده منخفضة للغاية.

ومنذ ذلك الحين، أصبح الحوت الزعنفي، من بين الطول 12 و 15 متر يبلغ وزنها حوالي أحد عشر طنًا، وقد بقيت بين الكثبان الرملية والمياه الضحلة جدًا. ويقوم المتحف الألماني لعلوم المحيطات في سترالسوند ومراكز بحثية أخرى بمراقبة حالتها باستمرار، مع ملاحظة تدهور تدريجي ومشاكل جلدية مرتبطة بها. انخفاض ملوحة بحر البلطيق.

إنقاذ حوت أحدب في بحر البلطيق

أيام حاسمة قبالة جزيرة بويل

بدأت الحلقة الأكثر إثارة عندما، أكثر من وبعد أسبوعين ونصف، عثر أحد المارة على الحيوان العالق. وجد نفسه في الساعات الأولى من الصباح قبالة جزيرة بويل، فأبلغ شرطة نهر فيسمار. وقال للضباط، بحسب الصحافة الألمانية: "ظننتُ أنها صخرة، لكن الصخرة تنفست".

ومنذ ذلك الحين، ظل الحوت عالقاً في بحيرة كيرشي، وهي منطقة مياه ضحلة جداً قبالة بويل، في مكلنبورغ-فوربومرنيقيس الخبراء تنفسه كل بضع ساعات: يستنشق الحيوان كل دقيقتين إلى خمس دقائق تقريبًا، وهو إيقاع مستقر نسبيًا، ولكنه يتوافق مع حالة ضعف شديد.

وقد رسمت القياسات التي أجراها علماء الأحياء البحرية والأطباء البيطريون صورة لـ "مريض يعاني من حالة مرضية خطيرة"بحسب تصريح وزير البيئة الإقليمي، تيل باكهاوس، فإنه بالإضافة إلى الجفاف النسبي وضيق التنفس، تم رصد آفات جلدية، ووفقًا لبعض المتخصصين، بقايا شبكة صيد في منطقة الفم مما سيجعل عملية التغذية صعبة.

استبعد العلماء عدة محاولات لسحبها باستخدام آلات ثقيلة، وحذروا من أن قد يتسبب جر أحد عشر طناً عبر الرمال وقاع ضحل في معاناة طويلة الأمد.بعد تحليل البدائل التقنية المختلفة والرجوع إلى التقارير الصادرة عن معهد أبحاث الحياة البرية البرية والمائية (ITAW)، خلص المستشارون إلى أنه في ذلك الوقت، كان الشيء الأكثر منطقية هو تقليل التدخلات إلى الحد الأدنى.

في الأول من أبريل، أعلنت السلطات والخبراء علنًا أن لقد تخلوا عن النضال الفعال من أجل إنقاذهم. وأنهم سيختارون السماح لها بالموت بسلام دون مزيد من المعاناة. أثار القرار جدلاً واسعاً داخل ألمانيا وخارجها، ولكن لعدة أيام بدا أن النقاش حول إجراء المزيد من العمليات قد حُسم.

عملية خاصة تعيد إحياء الأمل

تغير الوضع جذرياً بعد ذلك الإعلان الرسمي، اقترح رجلان أعمال ألمانيان تمويل خطة بديلةعرض والتر غونز، المؤسس المشارك لسلسلة متاجر الإلكترونيات ميديا ​​ماركت، وكارين والتر-مومرت، وهي شخصية بارزة في عالم رياضة الفروسية، تحمل تكاليف عملية إنقاذ معقدة صممها خبراء الحيتان.

يتكون المخطط من ارفع الحوت باستخدام وسائد هوائية كبيرةتتلخص الخطة في وضع الحوت على غطاء متين من القماش المشمع ممتد بين عوامتين، ثم سحب المجموعة بأكملها بواسطة سفينة إلى بحر الشمال. وبمجرد وصولها إلى هناك، يُراد إطلاق سراح الحوت في مياه عميقة بما يكفي ليسبح إلى المحيط الأطلسي، حيث يقع موطنه الطبيعي.

وقد تم نشرهم بالفعل في المنطقة عوامتان ضخمتان ومنصة مزودة بحفارة ومعدات إنقاذيعمل ستة غواصين حول الحوت لإزالة الرواسب من القاع حتى يتمكنوا من وضع وسائد قابلة للنفخ تحت جسم الحيوان دون التسبب في مزيد من الضرر.

تتم العملية على مراحل: أولاً، ارفع تيمي قليلاً لإدخال القماش المشمع تحت أجسامهم؛ ثم، استمر في نفخ العوامات بحيث يتم نقل الوزن من الرمال إلى هيكل الدعم؛ وأخيرًا، دع المجموعة تتحرك حتى تستقر على العوامات، والتي سيتم سحبها ببطء إلى البحر.

وأوضح باكهاوس نفسه أنه بعد مراجعة المشروع ومخاطره المحتملة بالتفصيل، خلصوا إلى أن "هناك احتمال أن تنجح هذه الخطة."على الرغم من أن فرص النجاة لا تزال ضئيلة، قال للصحفيين المتجمعين في ميناء كيرشدورف: "إنه مريض للغاية، لكننا نعتقد أنه لا يزال لديه فرصة ونريد اغتنامها".

مواقف متضاربة بين العلماء والبيئيين

على الرغم من الدعم السياسي للعملية، تؤكد التقارير العلمية الصادرة عن المتحف الألماني لعلوم المحيطات (DMM) ومنظمة ITAW أن إن فرص إنقاذ حياة الحوت ضئيلة للغاية. وأن خطر الإصابة أثناء العملية كبير. قد يتعرض الحيوان لأضرار داخلية أو إجهاد شديد أثناء عملية الرفع والنقل.

اختارت منظمات مثل غرينبيس أن لا تؤيد خطة الإنقاذ التي يمولها رجال الأعمالفي تصريحات نقلتها وكالات الأنباء الدولية، قال متحدثون باسم المنظمة إن الحوت "مريض وضعيف للغاية" وأن الخيار الأكثر إنسانية هو السماح له بالموت بسلام، وتجنب إطالة معاناته بلا داع.

لكن علماء الأحياء البحرية الآخرين يرون المبادرة على أنها "الفرصة الأخيرة" لإعادة تيمي إلى بيئته الطبيعية، رغم كل الصعاب. وصف الباحث بوريس كوليك، من مركز جيومار هيلمهولتز لأبحاث المحيطات في كيل، الخطة الخاصة بأنها "ضربة حظ"، وشدد على ضرورة إزالة أي بقايا شباك أو أجسام أخرى قد تمنع الحيوان من التغذية بشكل طبيعي إذا تمكن من الوصول إلى المياه المفتوحة.

يدور النقاش على أرضية حساسة: من جهة، الرغبة الاجتماعية في إنقاذ كائن بحري عملاق أيقظت تعاطفاً هائلاً.من جهة أخرى، هناك وجهة نظر تقنية مفادها أن للتدخل البشري حدوداً، وأنه ليس من الممكن دائماً عكس حالة سريرية لا رجعة فيها. وقد برز هذا التوتر جلياً في كل من وسائل الإعلام التقليدية وشبكات التواصل الاجتماعي.

على أي حال، تقع المسؤولية القانونية عن العملية حصراً على عاتق الجهات الراعية الخاصة، كما أكدت الإدارة الإقليمية. إذا فشلت عملية الإنقاذ أو تعرض الحيوان لمزيد من الأذى، سيكون أصحاب الأعمال هم من سيتحملون العواقب. مهمة كانت السلطات قد استبعدت القيام بها حتى قبل أيام قليلة.

ضجة إعلامية ونقاش اجتماعي في ألمانيا

بينما يعمل الفنيون والغواصون بلا كلل في الماء، أصبحت قضية تيمي على اليابسة... ظاهرة إعلامية حقيقيةأقامت شبكات التلفزيون وحدات متنقلة في المنطقة الساحلية لـ "ويسمار" و"بويل"، تبث تقارير مباشرة وتحديثات دقيقة بدقيقة، وحتى تحليلات لتطور جلد الحيوان.

خصصت الصحف الكبرى افتتاحيات لهذه القضية. حتى أن إحدى الصحف الرائدة نشرت مقالاً بعنوان "أطلقوا سراح الحوت"في غضون ذلك، وثّقت الصحف الشعبية كل تحركات الحوت بعناوين تُذكّر بالبث الرياضي: "تيمي يحرك زعنفته"، "تيمي يتثاءب"، "تيمي يحدق في الأفق". وقد ساهمت هذه القصة في توحيد المجتمع الألماني، ولو مؤقتاً، وهو مجتمع عادة ما يكون منقسماً حول القضايا السياسية.

كان الاهتمام العام كبيراً لدرجة أن سافر مئات المتفرجين إلى خليج ويسمار وجزيرة بويل لمحاولة مشاهدة الحوت الضخم من مسافة بعيدة. وخلال عطلة عيد الفصح، استغلت العديد من العائلات وقت إجازتها لاصطحاب أطفالها لمشاهدة الحوت الذي عرفوه بالفعل من التلفزيون "مباشرة".

ولحماية الحيوان من الضوضاء والضغط الإضافي، قامت الشرطة بإنشاء محيط أمني بطول 500 متر حول منطقة التأريضومع ذلك، فقد وقعت حوادث: حتى أن امرأة تبلغ من العمر 67 عامًا قفزت في الماء من قارب في محاولة للاقتراب من الحوت قبل أن تعترضها السلطات.

على وسائل التواصل الاجتماعي، يناقش المؤثرون والناشطون والمواطنون العاديون... هل من الأنسب إنسانياً الإصرار على الإنقاذ أم التوقف عن التدخل؟نظمت بعض الجماعات البيئية المحلية احتجاجات على شاطئ فيسمار للمطالبة ببذل كل ما في وسعها لتحرير الحيوان، بينما شددت جماعات أخرى على الضغط الناجم عن التواجد المستمر للقوارب والطائرات بدون طيار والكاميرات.

أوروبا تتطلع إلى بحر البلطيق: تداعيات ذلك على المستقبل

وبعيدًا عن دراما تيمي الشخصية، أثارت القضية تساؤلات حول كيف ينبغي للدول الأوروبية أن تستعد لحالات جنوح الحيتان الكبيرة؟ في مناطق غير معتادة لهذه الأنواع. وقد أقرت ألمانيا، المعروفة بنهجها الدقيق، بأنها تفتقر إلى بروتوكول واضح لمثل هذا النوع من المواقف.

يمكن للخبرة المكتسبة خلال هذه الأسابيع أن تعزز مبادئ توجيهية منسقة جديدة على مستوى الاتحاد الأوروبيوخاصة في بحر الشمال وبحر البلطيق، وهما منطقتان تعمل فيهما حركة الملاحة البحرية والصيد وتغير المناخ على تغيير مسارات هجرة العديد من الأنواع البحرية.

تراقب الهيئات العلمية الأوروبية والسلطات البيئية عن كثب النتيجة: التوازن بين التكلفة والمخاطر والفرص الحقيقية للنجاح سيكون تعقيد هذه العمليات عاملاً رئيسياً في تحديد ما يجب فعله في حالات جنوح الحيوانات الجماعية أو الفردية في المستقبل.

بالنسبة لإسبانيا وغيرها من الدول المطلة على المحيط الأطلسي في القارة، فإن حالة الحوت الأحدب الذي جنح في بحر البلطيق بمثابة تذكير أيضاً بأن لا يُعد المحيط الأطلسي وحيتانه بمنأى عن التحولات العالميةيشير ازدياد حالات فقدان التوجه، والتغيرات في توافر الفرائس، والتغيرات في التيارات إلى أن أحداثًا مماثلة قد تتكرر بشكل متكرر في المياه الأوروبية.

بينما تستمر العملية على الساحل الألماني، يتركز الاهتمام الدولي على تلك الزاوية من بحر البلطيق حيث يكافح حيوان ثديي بحري ضخم من أجل البقاء. الوسائد الهوائية، والعوامات، وكاميرات التلفزيونتجسد قصة تيمي التوترات التي تكتنف علاقتنا بالحياة البرية: الرغبة في المساعدة، والقيود التقنية، وثقل الرأي العام، والحاجة إلى اتخاذ قرارات صعبة عندما يشير العلم إلى أنه قد يكون الوقت قد فات بالفعل.

دلفين
مقالة ذات صلة:
الدلافين اليوم: مشاهدات، جنوح، وتقدم علمي

أضف كمصدر مفضل في جوجل