عندما نتحدث عن الصيد، غالباً ما نتخيل صورة الصياد الرومانسية بصنارته، لكن الواقع الصناعي أشد قسوة. من بين الأدوات المستخدمة، الشباك العائمة، وهي نظام يعتمد أساساً على إلقاء جدران بلاستيكية في الماء لتعلق بها الأسماك تلقائياً. ورغم أن هذا العمل مربح للبعض لانخفاض تكلفة المواد ، إلا أنه يمثل كابوساً حقيقياً للنظام البيئي البحري، فهو لا يفرق بين الأسماك التي يرغبون في بيعها وبين الدلافين التي تصادف مرورها.
أثارت هذه الطريقة في الصيد جدلاً واسعاً على مستوى العالم، نظراً لقدرتها التدميرية الهائلة. ولا يقتصر الأمر على الصيد الجائر فحسب، بل يشمل أيضاً كيفية تنفيذه: شباكٌ يبلغ طولها كيلومترات تطفو عمودياً، محولةً المحيط إلى فخ مميت. وفي السنوات الأخيرة، سعت منظمات وهيئات دولية عديدة إلى الحد من هذه الممارسة، إلا أن مكافحة الصيد غير القانوني لا تزال مهمة شاقة في مناطق كثيرة.
كيف تعمل هذه الشبكات بالضبط؟
بخلاف التقنيات الأخرى، تُعدّ شباك الصيد العائمة أدوات صيد سلبية. وهي مصنوعة في الغالب من مواد اصطناعية مثل النايلون والبولي أميد والبولي إيثيلين، وهي مواد شديدة المقاومة، وللأسف، تكاد تكون غير مرئية تحت الماء. تُنشر هذه الشباك على السطح أو في أعماق ضحلة، وقد تمتد أحيانًا لعشرات الكيلومترات، لتشكل حاجزًا منيعًا.
العملية بسيطة لكنها مدمرة: تسبح الأسماك نحو الشباك، فتتشابك خياشيمها أو رؤوسها، وفي محاولتها اليائسة للنجاة، تزداد تشابكًا. ولأن هذه الشباك قد تبقى في البحر لساعات طويلة قبل سحبها، فإن نسبة كبيرة من الصيد تموت اختناقًا أو إجهادًا قبل وصولها إلى سطح السفينة بوقت طويل.
دراما الصيد العرضي وتأثيره على الحياة البرية
تكمن أخطر مشكلة في هذا النظام في افتقاره التام للانتقائية. فليس الأمر أن الصياد يرغب في صيد السلاحف أو الدلافين، بل إن الشباك تصطاد كل ما يعترض طريقها . يُعرف هذا بالصيد العرضي أو الصيد غير المقصود، والأرقام فيه مروعة. ففي البحر الأبيض المتوسط وبحر كانتابريا، تموت آلاف الحيتان وأسماك القرش والسلاحف كل عام عالقة في هذه الشباك.
- الحيتانيات: تتعرض أنواع مثل خنزير البحر بورت دال، والدلفين الشائع، وحوت العنبر لخسائر فادحة. وفي بعض المناطق، قد يتسبب نفوق الدلافين المخططة في أضرار لا يمكن إصلاحها.
- السلاحف البحرية: وخاصة السلحفاة الجلدية الظهر، التي غالباً ما تعلق في الشباك المخصصة لصيد الحبار أو سمك أبو سيف.
- الطيور البحرية: غالباً ما تعلق طيور القطرس وطيور النوء في قمم الشباك التي تطفو بالقرب من السطح.
- أسماك القرش: التأثير بالغ الأهمية، لأن هذه الأنواع تتميز بنمو بطيء وتعافي سكاني صعب للغاية.
علاوة على ذلك، هناك هدرٌ فظيع للموارد. فعندما يسحب الصيادون شباكهم، يجدون مزيجاً من الأنواع. ولا يحتفظون إلا بالأنواع ذات القيمة التجارية العالية ، مثل التونة أو سمك أبو سيف، أما بقية الحيوانات، حتى لو كانت ميتة أو تحتضر، فتُلقى في الماء كنفايات، مما يؤدي إلى خسارة فادحة في الكتلة الحيوية البحرية .
التهديد المستمر: الشبكات الوهمية
إذا كان الضرر أثناء استخدام الشباك جسيمًا، تتفاقم المشكلة عند فقدانها. فبسبب العواصف أو التمزق العرضي، تُترك آلاف الكيلومترات من النايلون تطفو في المحيط. هذه هي ما تُسمى بشباك الأشباح ، التي تستمر في صيد الأسماك وقتل الحيوانات بشكل تلقائي لسنوات، لأن البلاستيك لا يتحلل بيولوجيًا.
تُنشئ هذه الظاهرة حلقة مفرغة من الموت المستمر. إذ يُحاصر حيوان في شبكة مهجورة ويموت، فيجذب جسده حيوانات مفترسة أخرى، فتقع هي الأخرى في الشباك أثناء محاولتها التغذي. إنه فخ دائم يُلحق الضرر بالنظام البيئي ويؤثر على استقرار التجمعات البحرية، لا سيما في المحيطات المفتوحة حيث تكون الموارد أكثر تشتتًا وهشاشة.
الوضع القانوني ونزاع الصيد غير القانوني
على الصعيد الدولي، دعت الأمم المتحدة إلى وقف استخدام هذه الشباك في تسعينيات القرن الماضي. وذهب الاتحاد الأوروبي إلى أبعد من ذلك، فحظر استخدامها في جميع مياهه ، لكن الواقع في البحار مختلف. فقد وُجهت انتقادات خاصة لدول مثل إيطاليا وفرنسا والمغرب لامتلاكها أساطيل تعمل خارج نطاق القانون أو بموجب تراخيص مشكوك في صحتها.
في بحر البوران، على سبيل المثال، وُثِّقَ استخدام السفن لهذه الشباك القاتلة لصيد سمك أبو سيف. والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن جزءًا كبيرًا من هذا المنتج ينتهي به المطاف في الأسواق الأوروبية، ما يعني أن المستهلكين يشترون دون علمهم أسماكًا تم الحصول عليها بطرق محظورة ومدمرة . ويُعدّ غياب إمكانية التتبع الثغرة الرئيسية التي تستمر من خلالها هذه التجارة غير المشروعة.
لمواجهة هذه المشكلة، طُرحت استراتيجيات متنوعة: من الحظر التام وفرض عقوبات رادعة، إلى تطبيق آليات انتقال عادلة للصيادين . يعتمد العديد من العاملين في المناطق الساحلية على هذه الطريقة لكسب عيشهم، وإذا لم تُوفر لهم بدائل قانونية ومستدامة، فسيظل الصيد غير القانوني الخيار الأنسب لهم.
يتطلب التصدي للنفوق العشوائي في المحيطات من الحكومات التوقف عن غض الطرف والبدء بتطبيق القانون بصرامة . فقط من خلال المراقبة عبر الأقمار الصناعية، والرقابة الصارمة على الموانئ، ودعم الصيد الانتقائي، يمكننا منع البحار من أن تصبح مقابر بلاستيكية. إن بقاء أنواع مميزة كالدلافين والسلاحف يعتمد على اختفاء هذه الشباك من مياهنا نهائياً.
