إذا كنت تعتقد أن أفلام الخيال العلمي تبالغ في الخيال، فذلك لأنك لم ترَ ما يكمن في أعماق المحيط الهادئ. تخيّل أنك تنزل آلاف الأمتار وتصادف مخلوقًا يبدو وكأنه منحوت من الزجاج ، كائنًا شبه أثيري يتحدى تصورنا لما يجب أن يكون عليه شكل الرخويات.
نتحدث هنا عن تلك الرخويات التي يطلق عليها الناس غالباً اسم الأخطبوط الخفي . ليس الأمر أنها تمتلك قدرة خارقة على الاختفاء كما في القصص المصورة، بل إنها تمتلك تكيفاً بيولوجياً فريداً يمكّنها من البقاء في بيئة يكون فيها الضوء نادراً والظلام هو القاعدة المطلقة، مما يجعلها أشبه بأشباح المحيط.
الأخطبوط الزجاجي الرائع
من أبرز الكائنات البحرية في هذه الأعماق الأخطبوط الزجاجي الشهير. وقد تم تصوير هذه الجوهرة الطبيعية لأول مرة عام 2021 بفضل جهود معهد شميدت للمحيطات. أكثر ما يلفت النظر هو جسمه الهلامي الشفاف ، الذي يسمح برؤية أعضائه الداخلية بوضوح، وخاصة عينيه وعصبه البصري.
يعيش هذا الحيوان عادةً في منطقة يتراوح عمقها بين 200 و 1.000 متر. وتُعد عيناه المستطيلتان من أغرب سماته المميزة، وتشكلان، إلى جانب شفافيته، تمويهاً مثالياً لتجنب رصده من قبل المفترسات في أعماق المحيط الشاسعة.
لغز ميكروإليدون غالاباجينسيس
لكن العلم لا يتوقف عند هذا الحد. ففي الآونة الأخيرة، حقق فريق بقيادة جانيت ر. فويت من متحف فيلد في شيكاغو، بالتعاون مع خبراء من جامعة بون ومؤسسة تشارلز داروين، اكتشافًا مذهلاً على عمق 1.773 مترًا تقريبًا تحت جزيرة داروين في جزر غالاباغوس. إنه نوع جديد تمامًا، أُطلق عليه اسم Microeledone galapagensis.
للوهلة الأولى، يبدو أخطبوطًا صغيرًا ممتلئ الجسم نوعًا ما، ذو أذرع قصيرة وعدد قليل جدًا من المحاجم. لكن ما يُذهل الخبراء هو أن جلده الظهري يكاد يخلو تمامًا من الصبغة . فبينما تستخدم أنواع أخرى من أخطبوطات أعماق البحار خلايا صبغية كثيفة للتمويه، فإن هذا النوع شفاف تقريبًا من الخارج، مما يمنحه مظهرًا يرقانيًا.
تشريح يخالف القواعد
الأمر الأكثر إثارة للدهشة يحدث عند تحليل باطن الحيوان. باستخدام تقنية التصوير المقطعي المحوسب عالي الدقة (microCT)، اكتشف العلماء أن العضلات الداخلية للعباءة تتميز بتصبغ كثيف للغاية . بمعنى آخر، يمتلك الحيوان خاصية التظليل العكسي: فهو شفاف من الخارج وداكن من الداخل.
في عالم الحيوان، من الطبيعي أن يكون ظهر الأخطبوط داكنًا ليمتزج مع البيئة المحيطة، وبطنه فاتحًا ليتخفى مع الضوء. لكن هذا الأخطبوط يفعل العكس تمامًا، وهو لغز بيولوجي لم يفكّ شفرته الخبراء بالكامل بعد، رغم اعتقادهم بأنه مرتبط بنموه.
يكمن المفتاح في التباين الزمني
لتفسير هذا المظهر غير المألوف، يشير الباحثون إلى ظاهرة التباين الزمني في النمو. يشير هذا المفهوم إلى تغيرات في معدل نمو الجنين تجعل البالغ يحتفظ بخصائص نموذجية لمراحل اليرقات ، والمعروفة أيضًا باسم الاحتفاظ بالصفات اليافعة. وكأن الساعة البيولوجية لهذا الأخطبوط قد توقفت مؤقتًا.
تتفق هذه النظرية تمامًا مع حقيقة أن الأخطبوط Microeledone galapagensis يفتقر إلى كيس الحبر والنتوء الحوصلي. وبدون كيس الحبر، لا يستطيع هذا الأخطبوط إطلاق السحابة السوداء الدفاعية المعروفة، الأمر الذي أجبر العلماء على إعادة تعريف عائلته بأكملها، عائلة Megaleledonidae.
تحديات وآفاق تصنيف الكائنات البحرية في الأعماق
على الرغم من روعة هذا الاكتشاف، لا تزال هناك جوانب عديدة بحاجة إلى توضيح. فبما أن العينات جُمعت من منطقة محددة في جزر غالاباغوس، لا نعلم إن كانت تعيش في جميع أنحاء شرق المحيط الهادئ أم أنها متوطنة في تلك المنطقة . علاوة على ذلك، يلزم إجراء تحليل جزيئي لتحديد موقعها بدقة على الشجرة الجينية.
لا نعرف شيئًا عن غذائها، أو كيفية تكاثرها، أو سلوكها في حياتها اليومية. وهذا يدل على أن قاع المحيط لا يزال من أقل الأماكن استكشافًا على وجه الأرض؛ فعدم اكتشاف هذا النوع حتى عام 2026 يُشير إلى أن أمامنا آلاف الأسرار التي لم نكتشفها بعد تحت الأمواج.
يكشف الجمع بين الأخطبوط الزجاجي ورأسيات الأرجل المجرة (Microeledone galapagensis) عن عالمٍ تُعدّ فيه الشفافية أفضل وسيلة للدفاع، حيث يتلاعب التطور بالزمن ليخلق أشكالاً حيةً مذهلة. فمن غياب الحبر إلى انعكاس الألوان الداخلية، تُبرهن هذه الرأسيات على أن التنوع البيولوجي في أعماق البحار أكثر تعقيداً مما كنا نتصور، مما يفتح الباب أمام ظهور المزيد من الكائنات التي تُشكك في كل ما كنا نعتقد أننا نعرفه عن علم الحيوان البحري.