هل فكرت يومًا فيما يكمن في أحلك زوايا محيطاتنا؟ اتضح أن هناك مخلوقًا يبدو وكأنه خرج مباشرة من فيلم خيال علمي: أخطبوط زجاجيهذا الحيوان، الذي يكاد يكون غير مرئي للعين البشرية، ترك العلماء في معهد شميدت للمحيطات عاجزين عن الكلام بعد أن تم تصويره بالفيديو في أعماق المحيط الهادئ.
أكثر ما يثير الدهشة في هذا المخلوق هو أن جسمه هلامي وشفاف بالكامل تقريباً، ولا يسمح برؤية سوى عينيه وعصبه البصري. إنه استراتيجية البقاء يُعدّ التمويه صعباً للغاية على أعماق تتراوح بين 200 و 1.000 متر، حيث يُعتبر الضوء ترفاً وأي أثر للون يمكن أن يجذب حيواناً مفترساً جائعاً.
اكتشاف مذهل في جزر غالاباغوس
لكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد، فقد اكتشف العلم للتو مرشحًا آخر للحياة "غير المرئية". على عمق حوالي 1.773 مترًا تحت جزيرة داروين في جزر غالاباغوس، عثر العلماء على نوع لم يظهر في أي كتاب: ميكروليدون غالاباجينسيسلقد قلب هذا الرأسقدم الصغير، الذي تم وصفه رسميًا في مجلة Zootaxa، ما كنا نعرفه عن عائلته رأسًا على عقب.
للوهلة الأولى، يبدو أخطبوطاً قصيراً بأذرع قصيرة وعدد قليل جداً من المحاجم. لكن ما يلفت الانتباه حقاً هو جلده الظهري. يكاد يكون خالياً تماماً من الصبغة.بينما تستخدم معظم الكائنات الحية في الأعماق خلايا صبغية كثيفة لتنظيم رؤيتها، فإن هذه العينة شبه شفافة من الخارج، مما يمنحها مظهرًا شبحيًا، كما لو كانت يرقة وليست كائنًا بالغًا.
مفارقة الداخل المظلم
هنا يصبح علم الأحياء مثيرًا للاهتمام. بفضل التصوير المقطعي المحوسب الدقيق (microCT)، وهو نوع من التصوير المقطعي فائق الدقة، اكتشف الخبراء أن يتم عكس التظليل المعاكسعلى الرغم من أن الجزء الخارجي شفاف، إلا أن العضلات الداخلية للعباءة تتميز بتصبغ كثيف. أي أنها داكنة من الداخل وفاتحة من الخارج، عكس ما يحدث في بقية المملكة الحيوانية.
عادةً ما تمتلك الحيوانات ظهوراً داكنة اللون لتندمج مع الأعماق وبطوناً فاتحة اللون لتتخفى مع الضوء القادم من الأعلى. لكن سحلية غالاباغوس (Microeledone galapagensis) تكسر هذه القاعدة. يتحدى المنطق البحريعلى الرغم من أن هذا يُعتقد أنه ناتج عن عملية تسمى التباين الزمني.
توقفت الساعة البيولوجية
بالنسبة لمن لا يعرفون المصطلح، فإن التباين الزمني هو في الأساس تغيير في معدل نمو الجنين. وهذا ما يجعل الحيوان يصل إلى مرحلة البلوغ مع الحفاظ على وتيرة نمو مختلفة. السمات النموذجية لمراحل الشبابيُعرف هذا باسم الاحتفاظ بالصفات اليرقية. ولهذا السبب يتميز هذا الأخطبوط بجلد عديم اللون وأذرع قصيرة؛ وكأن ساعته البيولوجية قد توقفت قبل الأوان.
لا تقتصر هذه الظاهرة على الجوانب الجمالية فحسب، بل كشف التحليل الداخلي أن الحيوان يفتقر إلى كيس الحبر والرتج الحوصلي. يُعدّ هذا اكتشافًا تصنيفيًا هامًا، إذ كان يُعتقد أن هذه التراكيب ضرورية لتحديد عائلة السحالي الضخمة (Megaleledonidae). في النهاية، تم اكتشاف واحد فقط. أخطبوط غير مرئي وقد أجبر ذلك العلماء على إعادة كتابة الحدود من عائلة كاملة من رأسيات الأرجل.
ألغاز لا تزال بحاجة إلى حل
على الرغم من التقدم الكبير الذي أحرزناه، لا تزال هناك فجوات كبيرة في معرفتنا. ولأن الدراسة استندت إلى عينات من منطقة واحدة فقط، فإننا لا نعرف ما إذا كان هذا الأخطبوط متوطنًا في جزيرة داروين أم لا. وهي منتشرة في جميع أنحاء المحيط الهادئ شرقي. علاوة على ذلك، هناك حاجة إلى تحليل جزيئي لتأكيد موقعه الدقيق في شجرة عائلة الأنواع.
ليس لدينا أي فكرة عما يأكله، أو كيف يتكاثر، أو كيف يتصرف في حياته اليومية. ولكن مهلاً، في علم تصنيف الكائنات البحرية في أعماق البحار، يُعد وصف الأنواع الخطوة الأولى فقط. فقاع المحيط لا يزال... بيئة غير مستكشفة إلى حد كبيروحقيقة أننا نجد أشياء كهذه تُظهر أن لدينا ملايين الأسرار التي لم نكتشفها بعد تحت الماء.
تُذكّرنا هذه المخلوقات، بدءًا من الأخطبوط الزجاجي ذي العيون المستطيلة وصولًا إلى ميكروإليدون غالاباجينسيس ذي التشريح المقلوب، بأن التطور يأخذ منعطفات غريبة. الشفافية القصوى والاحتفاظ بالصفات اليافعة فهو يسمح للحياة بالازدهار في ظروف لا نستطيع فيها حتى التنفس، مما يجعل المحيط هو الحدود النهائية لعلم الأحياء الأرضي.