أذهلت جزر غالاباغوس المجتمع العلمي مرة أخرى. هذه المرة لم يكن السبب سلاحفها الشهيرة أو إغواناها البرية، بل اكتشافٌ في أعماقٍ حيث ضوء الشمس ذكرى بعيدة. وقد وصف فريقٌ من الباحثين رسميًا... ميكروليدون غالاباجينسيس، نوع جديد من الأخطبوط الصغير الذي بالكاد يصل حجمه إلى حجم كرة الجولف ويتميز بلونه الأزرق اللافت للنظر ولحمه الرقيق.
حدث اللقاء الأول خلال رحلة استكشافية قامت بها سفينة الأبحاث "نوتيلوس" بالتعاون مع مؤسسة تشارلز داروين. وبفضل روبوت تحت الماء كان يستكشف المياه المحيطة بجزيرة داروين، تم التقاط عينة تخضع لدراسة مكثفة. متحف فيلد في شيكاغوما بدا في البداية وكأنه لعبة بحرية صغيرة محشوة، تبين أنه قطعة أساسية في فهم تطور رأسيات الأرجل في أعماق المحيط، وهي بيئة تراقبها إسبانيا ودول أوروبية أخرى عن كثب لقيمتها البيئية.
تقنية متطورة لتجنب إتلاف العينة

تُشكل دراسة حيوان صغير كهذا، لا يتوفر منه سوى عينة واحدة سليمة، تحديًا كبيرًا لعلماء الأحياء. تقليديًا، يتطلب وصف نوع ما إجراء عملية تشريح لمراقبة الأعضاء الداخلية، كالمنقار أو المِبْرَد، ولكن في هذه الحالة، اختارت الخبيرة جانيت فويت حلاً أكثر تطوراً. استخدم العلماء التصوير المقطعي المحوسب عالي الدقة، مما سمح لهم بإنشاء... نموذج ثلاثي الأبعاد مفصل من خلال تشريحها الداخلي دون تحريك أي من مخالبها من مكانها.
بفضل تقنية الأشعة السينية هذه، تم اكتشاف أن العينة كانت أنثى بالغة حتى أنها كانت تحمل 13 بيضة كبيرة نامية في الداخل. وقد أرست هذه الطريقة غير المدمرة سابقة مهمة في علم التصنيف الحديث، مما يسمح بـ العينة الوحيدة المتوفرة لا تزال في حالة ممتازة لإجراء الاستشارات المستقبلية في المتحف، وبالتالي تجنب فقدان المعلومات البيولوجية التي لا يمكن استبدالها والتي غالباً ما تحدث مع أساليب الدراسة الكلاسيكية.
أخطبوط يكسر القالب المألوف

ينتمي هذا الكائن الصغير الذي يسكن الأعماق إلى عائلة ميغاليدونيداي، وهي مجموعة ترتبط عادةً بالمياه الأكثر برودة، مثل مياه القارة القطبية الجنوبية. ومع ذلك، فإن العثور على ميكروليدون غالاباجينسيس في المياه الاستوائية إن حقيقة وجودها على عمق حوالي 1.773 مترًا تحت سطح الأرض قد أجبرت على إعادة النظر في خرائط توزيع هذه الحيوانات، والتي تتشابه في بيئتها مع الأخطبوط دامبويتميز هذا المخلوق بجلد ناعم بشكل ملحوظ، ويفتقر إلى كيس الحبر، وهو ملحق، لنكن صريحين، إنه ليس مفيدًا جدًا. في ظلام قاع البحر الدامس.
من أكثر الأمور إثارةً للفضول حول هذا الأخطبوط تقنية التمويه العكسي التي يستخدمها. فبينما يكون ظهره شاحب اللون، يتميز الجزء الداخلي من عباءته بلونٍ مختلف. بنفسجي داكن أو أزرقيعتقد الخبراء أن هذا يساعدها على إخفاء الضوء عن فرائسها المتوهجة بيولوجيًا. وهذا يمنع معدتها من التوهج كالمصباح الكهربائي وجذب الحيوانات المفترسة الأكبر حجمًا الكامنة في المنطقة. تكيف تطوري مذهل للبقاء على قيد الحياة في الهاوية.
الاتصال ببقية المحيط الهادئ

تشير الأبحاث إلى أن هذا الأخطبوط له قريب وثيق، وهو M. mangoldi، الموجود في كاليدونيا الجديدة، شرق أستراليا. وهذا يدل على وجود رابط تطوري عميق بين أنواع تفصلها آلاف الكيلومترات من المياه، مما يشير إلى سلف مشترك سكن المناطق المتوسطة من المحيط الهادئ. هذا النوع من الاكتشافات يؤكد مدى ضآلة معرفتنا بكوكبنا، إذ تشير التقديرات إلى أننا لم نستكشف إلا القليل منه. الحد الأدنى لنسبة قاع البحر.
من الضروري أن نضع في اعتبارنا أن هذه النظم البيئية ليست محصنة ضد المخاطر. يؤثر تغير المناخ أيضاً إلى أعماق سحيقة، مُغيرةً أنظمةً لم ننتهِ حتى من فهرستها قبل أن تختفي. يُعدّ ميكروإليدون غالاباجينسيس تذكيرًا بالثراء التنوع البيولوجي للأنواع البحرية ما زال مختبئًا تحت الأمواج وأهمية مواصلة جهود الحفاظ على البيئة في محميات بحرية عالمية لحماية هؤلاء الجيران الفضوليين لكوكبنا الذين نتشارك معهم الوجود.
يمثل اكتشاف هذا الأخطبوط الأزرق الصغير علامة فارقة في استكشاف جزر غالاباغوس، إذ يكشف عن نوع من رأسيات الأرجل يتمتع بتكيفات فريدة للحياة في أعماق البحار. بفضل التعاون العلمي الدولي بفضل استخدام تقنيات غير جراحية مثل التصوير المقطعي، تم التعرف على هذا الحيوان الصغير دون المساس بسلامة العينة الأصلية. لا يقتصر هذا الاكتشاف على توسيع قائمة الأنواع المستوطنة في الأرخبيل فحسب، بل يساهم أيضًا في بيانات قيّمة عن التطور من الحيوانات في أعماق المحيط الهادئ والحاجة الملحة لمواصلة البحث في مثل هذه البيئة الشاسعة وغير المعروفة.
