
منذ فترة، يواجه ساحل الأندلس كائناً بحرياً مزعجاً يهدد النظام البيئي والسياحة على حد سواء. إنه طحلب "روغولوبتريكس أوكاموراي"، وهو طحلب كبير من آسيا استوطن قاع البحر والشواطئ بقوة. إلا أن ما كان حتى الآن منتجاً ثانوياً باهظ التكلفة، على وشك أن يشهد تحولاً جذرياً. فقد توصل باحثون في جامعة مالقة إلى طريقة لتحويل هذا التهديد البيئي إلى عنصر وظيفي في الاستزراع المائي، مما يمنح بصيص أمل لاستدامة سواحلنا.
لم يكن هذا الاكتشاف وليد الصدفة، بل ثمرة عمل دؤوب قاده معهد التكنولوجيا الحيوية والتنمية الزرقاء (IBYDA) بالتعاون مع جامعة ألميريا. وقد أثبت الفريق العلمي، ولأول مرة، أن إضافة هذه الطحالب إلى غذاء الأنواع القارتة، كالبوري والبورى الرمادي، لا يقتصر على الاستفادة من مادة مهملة فحسب، بل يُحسّن بشكل ملحوظ القيمة الغذائية وصحة الأسماك الناتجة. يكمن السر في النظر إلى الطحالب لا كمصدر إزعاج، بل كمادة خام ذات إمكانات هائلة غير مستغلة.
عملية بيوتكنولوجية لجعل الطحالب قابلة للهضم

لا يكفي مجرد جمع الأعشاب البحرية من الشاطئ وإطعامها للأسماك. فالطبيعة حكيمة، وهذا النوع الآسيوي تحديدًا يمتلك آليات دفاعية تجعله غير مرغوب فيه لدى الحيوانات المحلية. وللتغلب على هذه العقبة، استخدم الخبراء معالجةً بيوتكنولوجيةً متطورةً تعتمد على الخمائر والبكتيريا النافعة. وبفضل هذه العملية، انخفضت المركبات السامة والدفاعية في الطحالب الكبيرة ، مما حوّلها إلى منتج أسهل هضمًا وأغنى بالعناصر الغذائية للأسماك المستزرعة.
خلال التجارب، تم تحضير علائق تجريبية بتركيزات 5% و15% من هذه الطحالب الغازية. خضعت الأسماك المشاركة في التجربة للمراقبة لأكثر من شهرين، وكانت النتائج مُرضية للغاية للباحثين. فقد تبين أن أسماك البوري التي تناولت العلف المُدعّم حافظت على معدل نمو مثالي ، مما يُثبت أن هذا المكون الجديد لا يُؤثر سلبًا على نموها، وهو ما كان أحد أكبر المخاوف في بداية المشروع.
تُعدّ الاستدامة القوة الدافعة وراء هذا التغيير في النموذج. وتعتمد تربية الأحياء المائية حالياً بشكل كبير على مسحوق السمك والزيوت المستخرجة من الأسماك التي يتم صيدها من البرية. de peces البرية، وهي حلقة مفرغة. من خلال إدخال بدائل نباتية من الأنواع الغازية، يمكن تحقيق تخفيف الضغط على مناطق الصيد طبيعي. إنها ضربة معلم للاقتصاد الدائري: نقوم بتنظيف شواطئنا من الوباء، وبالمناسبة، نتوقف عن صيد الأنواع البرية لإطعام الأنواع المستزرعة.
تحسينات في القيمة الغذائية والمناعة لدى الأسماك

أبرز ما يميز هذه الدراسة، المنشورة في مجلة علم الطحالب التطبيقي، هو ما يحدث داخل الأسماك. فقد كشف تحليل عضلات سمك البوري - الجزء الذي نأكله - أن الأسماك التي تغذت على العلف المحتوي على الطحالب تحتوي على تركيز أعلى من أحماض أوميغا-3 الدهنية . علاوة على ذلك، أظهرت هذه العينات انخفاضًا في نسبة الدهون في العضلات وزيادة في محتوى البروتين، مما يُترجم مباشرةً إلى غذاء صحي أكثر للمستهلك النهائي.
لكن هذا ليس كل شيء، فالصحة الداخلية للأسماك تستفيد أيضاً. يؤدي تناول طحلب Rugulopteryx okamurae إلى زيادة تنوع البكتيريا المعوية، مما يساعد الأسماك على معالجة العناصر الغذائية الأخرى بشكل أفضل. علاوة على ذلك، لوحظ تنشيط الجينات المرتبطة بالمناعة ، مما يهيئ السمكة للدفاع عن نفسها بشكل أفضل ضد الفيروسات المحتملة أو مسببات الأمراض البيئية. وكأن الطحالب تعمل كمكمل غذائي يعزز المناعة الطبيعية للحيوانات في الأسر.
تُعدّ هذه التطورات أساسيةً لانتقال قطاع الاستزراع المائي الأوروبي نحو نموذج أكثر أخلاقية وكفاءة. ويؤكد الباحثون أن اعتماد أنظمة غذائية نباتية أكثر في الأنواع التجارية هو السبيل الأمثل إذا أردنا الاستمرار في الاستمتاع بالأسماك دون الإضرار بالبيئة. وقد أثبت سمك البوري، كونه من الأسماك القارتة، أنه المرشح الأمثل لهذه التجارب الأولية الناجحة، مع العلم أنه يجري النظر بالفعل في أنواع أخرى ذات أهمية تجارية.
التحديات اللوجستية والبيئية على ساحل الأندلس

لفهم حجم هذه الفرصة، لا بد من النظر إلى الأرقام المتداولة على طول الساحل. تشير التقديرات إلى أن ساحل الأندلس قد يستقبل بحلول عام 2026 ما يقارب 60.000 ألف طن من هذه الطحالب البحرية. وتشهد بلديات في مقاطعة مالقة، مثل ماربيا وإستيبونا وفيليز مالقة، وجزء كبير من مقاطعة قادس، تغطية شواطئها بغطاء أخضر كثيف، مما يُكبّد تكاليف تنظيف باهظة ويُثني المصطافين عن السباحة. إن إعطاء هذه النفايات قيمة تجارية من شأنه أن يُخفف العبء عن خزائن البلديات ويُحسّن جودة المياه.
يعاني قطاع الصيد أيضاً من هذا الغزو الصامت. إذ تعلق الطحالب في الشباك، وتتلف معدات الصيد، وتقلل بشكل كبير من كميات الصيد باستخدام أساليب مثل الشباك الثلاثية والخيوط الطويلة القاعية. وقد طالبت جمعيات الصيادين بإيجاد حلول منذ فترة، ويقدم هذا البحث منفذاً حقيقياً للكتلة الحيوية المستخرجة . ومن خلال تحويل المشكلة إلى حل لتصنيع أعلاف الحيوانات، تكتمل دورة إدارة تعود بالنفع على جميع المشاركين في سلسلة الاقتصاد الأزرق.
أدى وصول هذا الكائن الحي، على الأرجح عبر مياه التوازن في السفن الكبيرة، إلى تغيير طبيعة قاع البحر، وإزاحة الأنواع المحلية. ورغم أن استئصاله بالكامل يبدو شبه مستحيل في الوقت الراهن، إلا أن إمكانية دمجه في سلسلة الإنتاج الحيواني تُقدم حلاً استراتيجياً. لا يزال هناك عملٌ يتعين القيام به لضبط الجرعات بدقة وضمان إمدادٍ ثابت، ولكن تم وضع الأسس لنظام استزراع مائي لا يعتمد على مصائد الأسماك البرية.
يُظهر هذا السيناريو الواعد أن حتى أكبر الكوارث البيئية قد تحمل في طياتها فرصةً إذا ما طُبقت العلوم الصحيحة. إن تحويل الأنواع الغازية إلى مورد لتحسين غذاء الأسماك لا يُسهم فقط في تنظيف الشواطئ، بل يضمن أيضاً أن تكون الأسماك التي تصل إلى موائدنا ذات جودة أفضل وأكثر استدامةً لكوكب الأرض.